صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

185

شرح أصول الكافي

الفصل الخامس في تحقيق النسخ قد علمت أن النسخ ليس في الحقيقة عبارة عن رفع الحكم الشرعي الوارد من الشارع بل عبارة عن الكشف عن انتهاء زمان الحكم الّذي ورد من الشارع ، فإنه قد يختلف مصالح أحوال الخلق ونظام أمور الجمهور بحسب اختلاف الأزمنة والأوقات ، لكن هاهنا اشكال وهو : ان استناد المتغير بما هو متغير إلى الثابت الحق من كل وجه مما لا يكاد يصح عند العقل أصلا ، أليس الاستناد والفيضان على طباق التأثير والإفاضة ؟ فإذا استندت المتغيرات إلى القيوم الحق والثابت المحض على سبيل التجدد والانقضاء ، فاما ان يكون التأثير والإفاضة على التدريج ، فيكون المؤثر المفيض بالذات الّذي هو بذاته مؤثر لا بإرادة زائدة حادثة وبنفسه مبدع لا بآلة أو ملكة عارضة تدريجي الإفاضة متجدد الابداع فيكون زماني الحقيقة ، تعالى عن ذلك قدوسية الحق واحديته ، أو دفعة واحدة لا على التدريج فيختلف الأثر الفائض عن نحو التأثير والإفاضة . وبالجملة : المتعالى عن الزمان والحركة الممجد « 1 » عن علائق المادة والطبيعة ، يمتنع ان يفعل شيئا بعد شيء وان يحكم حكما بعد حكم ، وان لم يكن الثاني رفعا للأول بل كان كل من الحكمين مختصا بزمان غير زمان الاخر ، أليس تغاير زمان الناسخ عن المنسوخ مؤديا إلى تعاقب اجزاء الزمان عليه ويلزم كونه تعالى زماني الوجود متغير الحقيقة ؟ فلذلك ذهب اليهود إلى أن الله قد فرغ من الامر . وذهب النظام وبعض أصحابه من المعتزلة إلى أنه سبحانه اخرج جميع الموجودات من العدم إلى الوجود دفعة معا لا بتقدم وتأخر . قال صاحب الملل والنحل : من مذهبه ان الله خلق الموجودات دفعة واحدة على ما هي عليه الآن معادنا « 2 » ونباتا وحيوانا وانسانا ولم يتقدم خلق آدم على خلق أولاده - والتقدم انما يقع في ظهورها لا في وجودها وحدوثها « 3 » - انما اخذ هذه

--> ( 1 ) . المتمجد - م - د ( 2 ) . معادن « الملل » ( 3 ) . خلق آدم خلق أولاده غير أن الله تعالى أكمن بعضها في بعض فالتقدم والتأخر انما يقع في ظهورها من مكامنها دون حدوثها ووجودها « الملل والنحل »